ظلام دامس، سكون رهيب، هدوء وسكينة مرعبة ثم فجأة بدأ الظلام ينحسر وأسمع من بعيد حفيف أوراق الشجر ونور خافت يتسلل من بين الأغصان، ألحظ بجانبي امرأة تقاربني في السن ملامحها ليست غريبة عني ولكني لا أعرفها أو بالأحرى أكون قد نسيتها كعادتي.
- من أنتِ بالله عليكِ أخبريني؟
- أنا زوجتك يا حبيبي.
- زوجتي! أفصحي أكثر، وهل أنا متزوج؟ لم أفهم.
- سبحان الله! أنا زوجتك (فلانة) وأنت زوجي (محمد) أفهمت الآن؟
- والله ما زدتيني إلا غموضا. وما هذا المكان الشاعري؟ وهذه الطاولة الوحيدة التي نجلس حولها تحت هذه الأشجار الظليلة؟ وما أتى بي إلى هذا المكان.
- يا حبيبي، نحن ننعم بلحظة "حـب" وود مما جعله الله سبحانه وتعالى بين كل زوجين وساعة خلوه فلا تنغص علينا هذه اللحظات كعادتك.
- قلتِ حب؟ وما الحب يا ترى؟
- أجننت ثانية؟ أتسأل عن المعلوم في الحياة بالضرورة؟ أعاودك من جديد شرود ذهنك وتشتت أفكارك؟ لم تكن تسأل من قبل هذه الأسئلة. لقد كان يكفيك أبسط تعريف لأعقد كلمة. ما دهاك اليوم؟
- هي كلمة لم أفهمها جيدا أو اختلطت عندي المفاهيم، فتعريف كلمة "حـب" لدي مشوش، ممكن تشرحي لي أكثر من فظلك؟
أجابت مرافقتي :
- طبعا حبيبي، بكل سرور. الحب هي من أوائل الكلمات التي عرفتها البشرية منذ الأزل وهو الود والاستلطاف والاستحسان و...إلخ...وبدأ الإنسان الأول بحب الله خالقه الواحد الأحد وأحب الحياة وتمسك بها ثم أحب زوجته وأحبته ولما صار عنده أبناء أحبهم وهم أحبوا والديهم وتشعبت الحياة وتشعب معها الحب أيضا، أيكفيك هذا؟
- حسبك، حسبك فقد استوعبت. أنا كنت طلبت من ملك الحروف أن يجعلني أعيش كلمة " حـرب " وإذا بي أجدني في كلمة "حـب" معذرة على هذا الإزعاج يجب أن أعود من حيث أتيت لآتي بحرف الراء الناقصة.
أذهب في سبات عميق، أفيق بعده وبيدي حرف "راء" بهي الطلعة ومعه كتيب لكيفية الاستعمال. الكتيب كان بلغة لا أفهمها وحروف غير التي اعتدت عليها مما اضطرني لاستعماله عشوائيا (طبعا فنحن أمة نأكل مما لا نزرع ونلبس مما لا نخيط ونستعمل ما يصنع لنا دون إعمال لعقل أو فكر). أخذتني قشعريرة من البرد وأحسست أن أطرافي تتجمد. وجدتني على شاطئ البحر ليس علي من الثياب إلا بنطلونا قصيرا. تصلني من بعيد أصوات مجموعة من الصيادين يتسامرون ولما اتضحت الصورة وتبينت الأصوات فإذا هم يتكلمون عني وكيف أني جئت البحر لأستجم في فصل الشتاء. فقلت لأقربهم مني : "أنا لم آت بمحض إرادتي وإنما هي الحروف التي شذت عن القاعدة واختلطت وارتبك بناؤها". أعرف أنهم لم يفهموا شيئا ولم يزيدوا إلا يقينا بجنوني. أما أنا فقد أيقنت أن الخطأ يكمن في استعمالي العشوائي لحرف الراء. وعوضا عن تشكيل كلمة "حـرب" تشكل عندي كلمة "بـحـر".
أخذت حرف الراء ورحت في غيبوبة اختيارية لأستفيق بعدها عند حائط المبكى بالقدس الشريف ألبس ثيابا غريبة وعلى رأسي طاقية أغرب وتتدلى من وجهي لحية مستعارة ولا أسمع إلا "شلوم، شلوم". فهمت سريعا انه تشكل لدي كلمة "حـبـر". وأني بالتالي صرت حبرا يهوديا...
إلى اللقاء في الحلقة القادمة.








said:

said:

said:

said:


said:

said:




من المملكة العربية السعودية