للشاعر العراقي : عبد الرزاق عبد الواحد
من مأثور الحكايات الشعبية، أن مخرزاً نسي تحت الحمولة على ظهر جمل..
قالوا ظلَّ.. ولم تشعر به الإبــلُ .*. يمشي، وحاديهِ يحدو.. وهو يحتمــلُ
و مخرزُ الموتِ في جنبيه ينشتــلُ .*. حتى أناخ َ ببابِ الدار إذ وصلـــوا
وعندما
أبصروا فيضَ الدما جَفلوا .*.
صبرَ العراق صبورٌ أنت يا جمـــلُ
ما هدموا، ما استفزوا من مَحارمهِ .*. ما أجرموا.. ما أبادوا فيه.. ما قتلـوا
وطوقـُهم
حولهُ... يمشي
مكابرة .*. ومخرزُ الطوق في أحشائه يَغــــِلُ
يا صبر أيوب... حتى صبرُه يصل .*. إلى حُدودٍ، وهذا الصبرُ لا يصــل
يا صبر أيوب،
لا ثوبٌ فنخلعـُهُ .*. إن ضاق عنا.. ولا دارٌ فننتقــــلُ
لكنه وطنٌ،
أدنى مكارمــــه .*. يا صبر أيوب، أنا فيه نكتمــــلُ
وأنه غُرَّةُ الأوطان أجمعهــــا .*. فأين عن غرة الأوطان نرتحـــلُ؟
أم أنهم
أزمعوا ألا يُظلّلنــــا .*. في أرضنا نحن لا سفحٌ، ولا جببــلُ
إلا بيارق
أمريكا وجحفلــُها .*. وهل لحرٍ على أمثالها قَبـَــــــلُ؟
واضيعة الأرض
إن ظلت شوامخُها .*. تهوي، ويعلو عليها الدونُ و السفــلُ
وكان ما كان
يا أيوبُ.. ما فعلتْ .*. مسعورة ً في ديار الناس ما فعلـــوا
ما خربت يد
أقسى المجرمين يــدا ً .*. ما خرّبت واستباحت هذه الـدولُ
هذي التي
المثل العليا على فمهــا .*. وعند كل امتحان تبصقُ المُثـُـــلُ
يا صبر أيوب،
ماذا أنت فاعلــهُ .*. إن كان خصمُكَ لا خوفٌ، ولا خجلُ
ولا حياءٌ،
ولا ماءٌ، ولا سِمـــةٌ .*. في وجهه.. وهو لا يقضي، ولا يكــِلُ
أبعد هذا
الذي قد خلفوه لنـــا .*. هذا الفناءُ.. وهذا الشاخصُ الجَلـَـلُ
هذا الخرابُ، وهذا الضيقُ، لقمتُنا .*. صارت زُعافاً، وحتى ماؤنا وشـِــلُ
يا صبر
أيوب.. إنا معشرٌ صُبـُـًرُ .*. نُغضي إلى حد ثوب الصبر ينبـــزلُ
لكننا حين
يُستعدى على دمنـــا .*. وحين تُقطعُ عن أطفالنا السبــــلُ
نضجُّ، لا حي
إلا اللهَ يعلمُ مــا .*. قد يفعل الغيـظ فينا حين يشتعـــلُ
يا سيدي، يا عراق الأرض يا وطناً .*. تبقى بمرآهُ عينُ اللهِ تكتحــــــلُ
لم تُشرق
الشمسُ إلا من مشارقه .*. ولم تَغِب عنه إلا وهي تبتهـــــلُ
يا أجملَ الأرضِ، يا من في شواطئه .*. تغفو وتستيقظ الآبـــــادُ والأزلُ
يا حافظاً لمسار الأرضِ دورتــه .*. وآمراً كفةَ الميزان تعتــــــدلُ
مُذ كوّرت
شعشعت فيها مسلّته .*. ودار دولابه، والأحرُفُ الرســـلُ
حملن للكون مسرى أبجديّتــه .*. وعنه كل الذين استكبروا نقلــوا
يا سيدي..
أنت من يلوون شِعفتَه .*. ويخسئون، فلا والله، لن يصلـــوا
يضاعفون
أسانا قدر ما قـدِروا .*. وصبرُنا، والأسى، كل له أجـــلُ
لكنهم، ما
تمادوا في دناءتهـــم .*. وما لهم جوقةُ الأقزامِ تمتثــــل
لن يجرحوا منكِ يا بغداد أنمُلـةً .*. ما دام ثديُك رضاعه ما نَذلــــوا
بغدادُ أهلُك رغم الجُرحِ، صبرهمُ .*. صبرُ الكريم، وإن جاعوا، وإن ثـَكِلوا
قد يأكلون لفرط الجوع أنفسهم .*. لكنهم من قدور الغير ما أكلـــوا
شكراً لكل
الذين استبدلوا دمنـا .*. بلقمة الخبز.. شكراً للذي بذلــوا
شكراً
لإحسانهم.. شكراً لنخوتهم .*. شكراً لما تعبوا.. شكراً لما انشغلــوا
شكراً لهم
أنهم بالزاد ما بَخَلـوا .*. لو كان للزاد أكّالون يا جَمـــلُ
لكن أهلي
العراقيين مغلقــةٌ .*. أفواههم بدماهم فرط ما خُذِلــــوا
دماً يمجّون
إمّا استنطقوا، ودمـاً .*. إذ يسكتون، بجوف الروح، ينهمــلُ
يا سيدي أين
أنت الآن؟ خذ بيدي .*. إني إلى صبرك الجبارِ أبتهــــلُ
أيا هذا
العراق الخصيبُ دمــا .*. وما يزال يلالي ملأه الأمـــــلُ
قل لي، ومعذرةً، من أي مبهمـة .*. أعصابُك الصمُ قُدت أيها الرجــلُ؟
ما زلت تؤمن أن الأرض دائــرةٌ .*. وأن فيها كراماً بعدُ ما رحلــــوا
لقد نظرت إلى الدنيا، وكان دمي .*. يجري.. وبغدادُ ملءَ العين تشتعــلُ
ما كان إلا
دمي يجري.. وأكبرُ ما .*. سمعتُهُ صيحة ً باسمي.. وما وصلــوا
وأنت يا سيدي ما زلت تومئ لي .*. أن الطريق بهذا الجبِّ يتصــــلُ
إذن فباسمك
أنت الآن أسألُهـم .*. إلى متى هذه الأرحام تقتتـــــل؟
إلى متى
تترعُ الأثداء في وطـني .*. قيحاً من الأهل للأطفال ينتقـــلُ؟
إلى متى يا
بني عمي؟.. وثابتــةٌ .*. هذي الديارُ.. وما عن أهلها بَــدَلُ؟
بلى، لقد وجد الأعرابُ منتـَسَباً .*. وملةً ملةً في دينها دخلـــــوا
وقايضوا
أصلهم واستبدلوا دمهم .*. وسُوّي الأمر.. لا عتبٌ، ولا زعــلُ
لقد غدا كُلُ
صوت في منازلنـا .*. يبكي إذا لم يجد أهلاً لهم يصـــلُ
يا أيها
العالم المسعورُ...ألـفُ دمٍ .*. وألفُ طفل ٍ لنا في اليوم ينجـــدل
وأنت تُحكِمُ طوقَ الموت مبتهجاً .*. من حول أعناقهم... والموت منذهـل
أليس فيك أبٌ؟.. أمّ ٌ يصيح بها .*. رضيعُها؟؟ طفلةٌ تبكي؟ أخٌ وجـِــلُ؟
يصيح رعباً، فينزو من توجّعــه .*. هذا الضميرُ الذي أزرى به الشـلل؟
وأنت يا مرفأ الأوجاع أجمعهـا .*. ومعقلَ الصبر حين الصبرُ يُعتقـــلُ
لأنك القلب
مما نحن، والمُقـَـلُ .*. لأن بغيرك لا زهوٌ، ولا أمــــل
لأنهم ما
رأوا إلاّك مسبَعـــةً .*. على الطريق إلينا حيثما دخلـــوا
لأنك الفارع
العملاقُ يا رجـلُ .*. لأن أصدق قول فيك : يا رجـــلُ
يقودني ألفُ
حب.. لا مناسبــةٌ .*. ولا احتفالٌ... فهذي كلها عــللُ
لكي أناجيك يا أعلى شوامخهـا .*. ولن أرددَ ما قالوا، وما سألــــوا
لكن سأستغفر
التاريخَ إن جرحت .*. أوجاعُـنا فيه جرحاً ليس يندمــل
وسوف أطوي
لمن يأتون صفحتـه .*. هذي، لينشرها مستنفرٌ بطـــلُ
إذا تلاها تلاها غيرَ ناقصـــة .*. حرفاً..وإذ ذاك يبدو وجهك الجـَذِلُ
يا سيدي، يا عراقَ الأرض