فيـــــــــض الأدب
هذه مساحة لإبداء الرأي والطرح الحر للقضايا دون خدش لشعور أو تزمت لفكرة أو تعصب لمذهب لنتعاون فيما اتقفنا عليه وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه.
حكاية ممتعة

حكايــة ممتعــة

يحكى أن رجلا ثريا فاحش الثراء، لما أحس بدنو أجله، أخذ جزءا يسيرا من المال فنحاه جانبا ثم إنه قام بقسمة الباقي على أولاده بالتساوي وحسب الشرع. ولما سأله الأبناء عن سر هذا المبلغ المقتطع أجابهم بأنه يخصص لمن يبيت معه ويؤانس وحدته ليلة موته وقبل الدفن وأنها وصيته الوحيدة لهم راجيا منهم الالتزام بها.  

 مات صاحبنا في إحدى الأمسيات فقام أبناؤه بواجب الغسل والكفن ثم وضعوه في بيت لوحده على أن يتم دفنه في النهار. ولم تفتهم وصيته لهم بأن يكون له من يؤانسه تلك الليلة وله المال المقتطع من التركة. طاف الأبناء بالقرية عساهم أن يجدوا من يرضى بالمبيت مع والدهم المتوفى ويأخذ المال فكان الناس كل يتقزز من فكرة قضاء الليل لوحده مع ميت في نفس الغرفة، ولم يجدوا سوى رجل فقير معدم لا يملك من حطام الدنيا سوى حمار أبيض اللون يقتات مما يحصل عليه من العمل عليه، ليس له دار ولا أولاد، يرتدي أطمارا بالية لا يملك سواها.  قال لهم أنا أبيت معه. وحدث نفسه قائلا أنا رجل فقير لا أملك إلا حماري هذا وهو عجوز لم يعد يفي بالغرض، أبيت مع هذا الميت وليكن ما يكون، فكلنا على الموت مقبلون وليس لي ما أخسره في كل الحالات.

دخل صاحبنا الغرفة فوجد الميت بركن منها وبالركن الآخر فراش وثير لم يحلم به طول حياته فارتمى عليه وسرعان ما أخذته سنة من النوم وغاب في أحلام وردية لذيذة ناسيا أن بجانبه ميت متجاهلا رهبة الموت والمكان. غير أن سعادته وانبساطه لم يطولا إذ سمع دويا كدوي الرعد فاستيقظ مرعوبا وجلا. وأحس بيد تشده شدا عنيفا حتى كادت تختلف أضلاعه وصوت يقول له (ما سمك؟). ظن صاحبنا أنه ملك جاء لسؤال الميت فأخطأ المعني وجاءه هو. فقال له ها هو صاحبك دونك وإياه أما أنا فقد جئت فقط لمؤانسته هذه الليلة. فرد عليه الصوت : ألست صاحب الحمار الأبيض؟ فرد عليه : بلى. فقال الصوت : في يوم كذا ألم يكن عملك قليلا ودخلك زهيدا فاشتريت بما حصلت من عملك أنت والحمار طعاما لك وحدك فأكلت وبات الحمار جوعانا؟ فرد عليه : بلى. فقال الصوت : في يوم كذا ألم يكن الجو باردا جدا فاستأثرت بركن الكوخ وتدثرت بحلاسة الحمار وتركته هو عرضة للبرد القارص والرياح العاتية والثلوج؟ فرد عليه : بلى. فقال الصوت : في يوم كذا ألم .... وعدد له مئة أو يزيد من هكذا زلات في حق الحمار ... وصاحبنا يرد عليه : بلى، بلى، بلى ... قد حصل.

في الصباح الباكر خرج صاحبنا من الغرفة وقد أخذ منه التعب كل مأخذ وبدى على وجهه العياء والأرق. فبادره الأبناء خذ هذا المال فقد أوصى به لك والدنا. فأجابهم إليكم عني أنتم ومالكم خذوا مالكم وخذوا حماري أيضا. لم أكسب في حياتي سوى الحمار وقد بت ليلة البارحة بأكملها أحساب عنه فكيف بي لو كان لي ما لأبيكم من مال؟ لا حاجة لي بمالكم وكان الله في عون والدكم فإن حوسب على أمواله فقط وعلى المنوال الذي حوسبت أنا عليه البارحة فلا أظنه يكفيه ألف عام للحساب.

اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم.



أضف تعليقا

اضيف في 11 سبتمبر, 2007 05:42 م , من قبل ayza
من اليمن said:

حكاية جميلة
واتمنا ان تزيدنا
وارجوا منك متابعة مدونتي باستمرار
كما سأفعل أنا
والسلام عليكم
www.ayza.jeeran.com
www.ayza.jeeran.com/ramadhan

اضيف في 12 سبتمبر, 2007 10:09 ص , من قبل machour
من الجزائر said:

أسعدني مرورك الكريم
سأكون بإذن الله من المتتبعين لجديدك
دمت بخير

اضيف في 15 سبتمبر, 2007 05:03 م , من قبل kld1517
من المملكة العربية السعودية said:

لجمال سردك الرائع مالجمال القصة
من معانِ وفوائد
زدنا يا محمد فمثل هكذا كلم
تتهافت إليه العقول

أخوك

خالد

اضيف في 16 سبتمبر, 2007 04:46 م , من قبل machour
من الجزائر said:

شكرا خالد على المرور الكريم وارجو أن أكون عند حسن ظنك بي

اضيف في 28 سبتمبر, 2007 08:43 ص , من قبل هجير الوصال
من المملكة العربية السعودية said:


\
/
\
/
الاخ / محمد
لا اعرف كيف تغيب عن المدونين هذه المدونه وتشح التعليقات ,,
فاذا كانت ظروف فلهم العذر اما غيرها فلاعذر لهم
فبها مالذ وطاب ..وحلّ خفيفاً على الفؤاد...

عزيزي
منذ ان قرأت لك اول السطور
ورسخت بفكري صورةً لك
وجدتك ذلك الشاب الطموح الخلوق الممتلئ بفهم وتفسر الامور..

فانت مكسب لكل طالب ..
وانا تليمذتك
و طالبه للعلم والمعرفه وكل ماتزخر به مكنوناتك يا استاذي ..

يعطيك العافيه
وعساك دوم ذخر
والله يكثر من امثالك ..
ويديم علينا هذه الصفحه خالده مخلده

دمت بخير وود
\
/
\
/

اضيف في 29 سبتمبر, 2007 05:02 م , من قبل machour
من الجزائر said:

هجير الوصال،
لم يتسع مكان الرد على تعليقك فاتسعت له المدونة : "http://machour.jeeran.com/archive/2007/9/336527.html "
وإن لم تتسع له المدونة فسيسعه صدري
دمت بكل عز
وتقبل الله منا ومنكم الصلاة والصيام والقيام

اضيف في 02 اكتوبر, 2007 09:54 م , من قبل PINKDREAM777
من المملكة العربية السعودية said:

حكايه جميله أخي وأيضا كما قلت ممتعه

وإسلوبك جميل ومشوق جزاك الله الف خير

أعجبتني مدونتك ومابها من مقالات

وفقك الله

اضيف في 03 اكتوبر, 2007 09:16 ص , من قبل machour
من الجزائر said:

شكرا سيدتي (الحلم الوردي)
ورأيك وسام على صدر مدونتي المتواضعة.
تشجيعك لي زادني إصرارا على مواصلة المشوار، فألف شكر.

اضيف في 03 نوفمبر, 2007 05:27 م , من قبل nicejara
من الكويت said:

حكايه جميله ( فكلنا على الموت مقبلون )

فيها الكثير من الحكم التي تحتاج لوقفه مع النفس لمحاسبتها

شكرا لك سوف أقرأ المزيد :)

اضيف في 04 نوفمبر, 2007 09:32 ص , من قبل machour
من الجزائر said:

nicejara
ازدانت مدونتي بحضورك
شكرا على المرور الكريم
وشكرا على التعليق



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية